أحمد بن علي القلقشندي
482
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
جهاتها ، مستوفية للممادح بسائر صفاتها ؛ صلبة المعاجم ، لدنة المقاطع ؛ موفية ( 1 ) القدود والألوان ، محمودة المخبر والعيان ؛ وقد استوى في الملاسة خارجها وداخلها ، وتناسب في السّلاسة عاليها وسافلها ؛ نبتت بين الشمس والظل ، واختلف عليها الحرّ والقرّ ؛ فلفحها وقدان الهواجر ، ولفعها سمائم شهر ناجر ( 2 ) ؛ ووقذها الشّفّان بصرده ( 3 ) ، وقذفها الغمام ببرده ، وصابتها الأنواء بصيّبها ، واستهلَّت عليها السحائب بشآبيبها ؛ فاستمرّت مرائرها على إحكام ، واستحصد سجلها ( 4 ) بالإبرام ؛ جاءت شتّى الشّيات ، متغايرة الهيئات ، متباينة المحالّ والبلدان ؛ تختلف بتباعد ديارها ، وتأتلف بكرم نجارها . فمن أنانيب قنا ناسبت رماح الخط في أجناسها ، وشاكلت الذهب في ألوانها ، وضاهت الحرير في لمعانها ؛ مضابطة الحفاء ، نمرة القوى ؛ لا يسيطها القطَّ ، ولا يشعّب بها الخط . ومن مصريّة بيض كأنها قباطيّ ( 5 ) مصر نقاء ، وغرقيء ( 6 ) البيض صفاء ؛ غذاها الصعيد من ثراه بلبّه ، وسقاها النيل من نميره وعذبه ؛ فجاءت ملتئمة الأجزاء ، سليمة من الالتواء ؛ تستقيم شقوقها في أطوالها ، ولا تنكَّب عن يمينها ولا شمالها ، مقترن بها صفراء كأنها معها عقيان قرن بلجين ( 7 ) ، أو ورق خطَّ بعين ؛
--> ( 1 ) لعله : « وافية القدود » أي تامة كاملة . ( 2 ) كل شهر في صميم الحرّ فهو ناجر لأن الإبل تنجر فيه أي يشتد عطشها حتى تيبس جلودها ؛ وصفر في الجاهلية كان يقال له : ناجر ؛ وشهرا ناجر وآجر أشدّ ما يكون من الحرّ ، وقيل : كل شهر من شهور الصيف ناجر . ( اللسان : 5 / 194 ) . ( 3 ) وقذها : من الوقذ وهو شدة الضرب ؛ الشفّان : القرّ والمطر ، والصرد ( بفتح الراء وسكونها ) هو البرد وقيل : شدته . ( 4 ) لعله : « حبلها » . ( 5 ) القباطي : ثياب بيض من كتان كانت تعمل بمصر ، منسوبة إلى القبط . ( 6 ) غرقىء البيض : القشرة الملتصقة ببياضه . ( 7 ) العقيان : الذهب ؛ اللجين : الفضة .